تشهد تجارة القرب بمدينة طنجة تحولات عميقة في ظل تغير سلوك المستهلك داخل الفضاءات التجارية الحضرية، حيث لم يعد القرب الجغرافي عاملاً حاسماً في اختيار نقطة البيع، مقابل صعود معايير جديدة ترتبط بجودة التجربة والانطباع العام.
وكشفت دراسة ميدانية حديثة، شملت 567 زبوناً من مرتادي المتاجر، أن السوبرماركت والمتاجر الكبرى باتت تعتمد على ما يُعرف بـ”الجاذبية المركبة”، وهي مزيج من العوامل التي تتجاوز الموقع لتشمل سهولة الولوج، والراحة داخل الفضاء التجاري، والتوافق مع هوية المستهلك وتصوراته.
وتندرج هذه الدراسة ضمن مجال الجيو-تسويق، الذي يركز على تحليل العلاقة بين السلوك الاستهلاكي والمجال الجغرافي، حيث تؤكد النتائج أن قرار الشراء لم يعد مرتبطاً فقط بالمسافة، بل يتشكل من تفاعل معقد بين الإدراك والتجربة داخل المتجر.
واعتمدت الدراسة على تحليل أربعة أبعاد رئيسية، تشمل سهولة الوصول إلى المتجر، والقرب الهوياتي (مدى انسجام المتجر مع صورة الزبون وتوقعاته)، وطبيعة العلاقة مع العلامة التجارية، إضافة إلى تجربة التسوق من حيث التنظيم وسلاسة التنقل داخل الفضاء.
وأظهرت النتائج أن عاملي سهولة الوصول والقرب الهوياتي يمثلان العنصرين الأكثر تأثيراً في استقطاب الزبناء، ما يعني أن الموقع الجغرافي لم يعد كافياً بمفرده، بل يحتاج إلى دعم بعوامل نفسية وتجريبية تعزز ارتباط المستهلك بالمكان.
كما أبرزت المعطيات أن تجربة التسوق، بما تتضمنه من سرعة الأداء وتنظيم الفضاء وسهولة التنقل بين الرفوف، تلعب دوراً مكملاً في بناء جاذبية المتجر، حتى وإن كان تأثيرها أقل مقارنة بالعوامل الأخرى.
وتفسر هذه النتائج سلوكاً متزايداً لدى المستهلكين، يتمثل في التخلي عن “البقال الأقرب” لصالح فضاءات تجارية توفر تجربة أكثر راحة وتنظيماً، وتنسجم مع توقعاتهم، سواء من حيث جودة الخدمات أو صورة العلامة التجارية.
وفي المقابل، يطرح هذا التحول تحديات حقيقية أمام بقالات الأحياء، التي تجد نفسها مطالبة بإعادة التفكير في نموذجها التجاري، من خلال تحسين تجربة الزبون، وتعزيز الثقة، وتطوير طرق عرض المنتجات والخدمات.
وتخلص الدراسة إلى أن المنافسة في السوق الحضرية لم تعد تُحسم بالموقع فقط، بل بقدرة الفاعلين على بناء تجربة متكاملة تجمع بين سهولة الولوج، والراحة النفسية، وجودة الخدمة، وهي عناصر أصبحت تشكل المحدد الرئيسي للقرار الشرائي في المدن الكبرى.







