أعاد التصريح الذي فجر الجدل داخل المشهد السياسي بطنجة إلى الواجهة إشكالية خطيرة تتعلق بحدود الصراع السياسي المحلي، حين يتحول من تدبير الخلاف داخل المؤسسات إلى التلويح بالقضاء كأداة ضغط. فحديث مسؤول منتخب عن وثيقة “تدخل خصمه إلى السجن” لا يمكن اعتباره مجرد سجال سياسي، بل يعكس خللا في فهم طبيعة المسؤولية والمؤسسات.
سياسيا، تكشف الواقعة أزمة ثقة داخل النخب المنتخبة، حيث يتم تجاوز آليات المحاسبة القانونية والمؤسساتية لصالح خطاب الاتهام العلني. هذا الأسلوب لا يسيء فقط إلى صورة العمل السياسي، بل يربك موقع القضاء، الذي يفترض أن يبقى سلطة للفصل لا ورقة في معركة سياسية محلية.
الأخطر في هذا السياق هو تطبيع فكرة السجن داخل الخطاب السياسي، بما يحمله ذلك من شحنة رمزية ثقيلة. فحين يستعمل القضاء كتهديد، تتآكل الحدود بين السياسة والعدالة، ويتحول الخلاف التدبيري إلى مواجهة شخصية تدار خارج القواعد الديمقراطية.
كما تطرح الواقعة سؤالا أوسع حول نضج الممارسة السياسية المحلية، وحدود قدرة النخب المنتخبة على تدبير الاختلاف دون الانزلاق نحو منطق التشهير أو الابتزاز الرمزي. وهو ما يضع النيابة العامة بدورها أمام مسؤولية إعادة النقاش إلى سكته الطبيعية، إما عبر تفعيل المساطر القانونية أو وضع حد لهذا النوع من الخطاب.
وتكشف واقعة طنجة عن أزمة ممارسة سياسية أكثر مما تكشف عن ملف معزول، أزمة تهدد بإفراغ المؤسسات من دورها، وتغذية فقدان الثقة في العمل السياسي المحلي، إذا لم يتم ضبطها بمنطق القانون والمسؤولية.







