الحمد لله الذي أكرمنا بدين الإسلام، فأرسل إلينا من رسله خير الأنام، وأنزل علينا من كتبه مسك الختام، نحمده جل وعلا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونشكره على آلائه التي لا تستقصى، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المنيب الأواه، صلى الله وسلم عليه وعلى كل من والاه، من الآل والصحب الكرام والتابعين لهم في اقتفاء طريقه وهداه. صلاة وسلاما متصلين دائمين إلى يوم الورود على حوضه وحماه.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الله تعالى في مدح عباده المؤمنين:
﴿وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ﴾[1]
عباد الله؛ جاءت هذه الآية في سياق مدح المؤمنين المفلحين في أوائل سورة “المؤمنون”، حيث أكد الحق سبحانه وتعالى فوز المتصفين بتلك الصفات الست، فقال:
﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ (1) اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ (2) وَالذِينَ هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَۖ…﴾[2]
وأن الفلاح الحقيقي ليس ادعاءً باللسان، ولا انتسابا بالأسماء، وإنما هو تحقق بالإيمان، وترجمة بالعمل، ووفاء بالعهد، وأمانة في المسؤولية.
وقد سئلت أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها، عن خلق رسول الله صلى الله وسلم عليه؟ فقالت:
«كان خلق رسول الله ﷺ القرآن»
. ثم قالت -للسائل-: أتقرأ سورة “المؤمنون”؟ اقرأ:
﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ﴾
، فقرأ
﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ (1) اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ﴾
إلى قوله تعالى:
﴿وَالذِينَ هُمْ عَلَيٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
فَقَالَتْ:
هَكَذَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[3]
فأحالت أم المؤمنين رضي الله عنها، السائل على القرآن لفهم خُلُقِ الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان قرآنا يمشي على الأرض، خلقه وفاء وشيمته أمانة، وعهده صدق، وسيرته هداية ورحمة.
وهذا المعنى الجليل هو ما دعت إليه الرسالة الملكية السامية من العناية بأمانات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتها: القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العطرة.
وهو ما حرص عليه العلماء في “خطة تسديد التبليغ” بإبراز معاني الإيمان وحقيقته المتجلية في تحرير الإنسان من داعية هواه إلى عبادة الله وحده، وإبراز معاني العمل الصالح، الشامل لكل عمل يقوم به المسلم في عباداته ومعاملاته وعاداته وسلوكه، وفي جميع مناحي حياته.
وإن من أهم أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم الوفاءَ بالعهد لجميع الناس، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليغدر قط أو يخون، وإنما كانت شيمته الوفاء، كما ورد في حديث أبي سفيان مع هرقل، لما سأله: “هل كان يغدر؟ فقال لا. … قال: وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر”[4]. فاستدل هرقل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بوفائه ومحافظته على العهود.
هذا وإن من العهود الموروثة والمحفوظة في هذا البلد الأمين بإذن الله تعالى عهدَ المحافظة على هذا الوطن، وصيانة وحدته، والدفاع عن سيادته وعزته، وعهدَ الدفاع عن هذا الشعب المسلم الوفي ورعاية كرامته، والذود عن مقدساته وثوابته.
وهذا ما تذكرنا به “ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال”، تلك اللحظة التاريخية المشرقة، التي كانت لبنة من لبنات صرح هذا الوطن وحريته، ومنعطفا من منعطفاته المشرِّفة، ومقدمة لملاحم وطنية ومواقف وبطولات؛ “كثورة الملك والشعب”، و”ملحمة الاستقلال”، و”المسيرة الخضراء المظفرة”، وتُوِّجَ ذلك كله بمسك ختامها “عيد الوحدة” في الواحد والثلاثين من أكتوبر 2025م، حيث شهد العالم بأسره بحق المملكة المغربية في وحدتها الترابية، الذي ناضلت من أجله عقودا من الزمان، وكان هذا القرار الأممي شهادة صدق لجهود بذلت، وسياسة حكيمة متبصرة لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، أعز الله أمره، وخَلْفَه شعبُه الوفي المثابرُ على السير في ركابه. وكان ذلك بفضل الله تعالى وكرمه ومنته على عباده.
حفظ الله مولانا الإمام بما حفظ به الذكر الحكيم، وبارك له في الصحة والعافية حتى يحقق لشعبه ولأمة الإسلام والإنسانية جمعاء كل ما يصبو إليه من رقي وازدهار. آمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







