أثارت واقعة نقل رئيس جماعة اجزناية بعمالة طنجة-أصيلة، وعضو مجلس المستشارين، بولعيش، إلى المستشفى إثر تعرضه لانهيار صحي مفاجئ، جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية والرأي العام المحلي، خاصة مع تزامن الحادث مع تدخل للشرطة القضائية في إطار بحث قانوني مرتبط بملف ذي طابع تجاري.
هذا التزامن فتح الباب أمام تأويلات متعددة، سارع بعضها إلى إقحام البعد السياسي في قضية لا ترتبط بتدبير الشأن العام ولا بمهام المعني بالأمر الانتدابية.
ووفق المعطيات التي جرى تداولها حينها، فقد تم نقل بولعيش بشكل مستعجل إلى مستشفى محمد الخامس بطنجة، حيث خضع لعناية طبية دقيقة بعد تدهور مفاجئ في حالته الصحية، استدعى تدخلا عاجلا ومتابعة خلال الساعات الموالية.
غير أن هذه الوضعية الصحية، التي يفترض أن تبقى في إطارها الإنساني والطبي، تزامنت مع إجراء قانوني، ما دفع بعض المنابر الإعلامية إلى ربطها بخلفيات سياسية، في غياب معطيات مؤكدة تدعم هذا الطرح.
غير أن التطورات القضائية اللاحقة أعادت ترتيب الوقائع، بعدما قضت المحكمة المختصة ببطلان مسطرة الإكراه البدني المتخذة في حق بولعيش، على خلفية ديون موضوع نزاع قضائي.
واعتبر متابعون أن هذا الحكم شكل نقطة تحول في الملف، إذ أكد بشكل واضح عدم توفر الشروط القانونية التي تبرر اللجوء إلى هذا الإجراء الاستثنائي.
واستندت المحكمة في قرارها إلى ثبوت ملاءة الذمة المالية للمعني بالأمر، وتوفره على ممتلكات عقارية ومنقولات كافية، ما يجعل مسطرة الإكراه البدني غير مبررة قانونا، في ظل وجود بدائل قانونية صريحة، من قبيل مساطر التنفيذ الجبري كالحجز التحفظي أو التنفيذي، كما ينص على ذلك القانون المغربي.
وأكد الحكم القضائي أن الإكراه البدني لا يعد وسيلة عادية لاستخلاص الديون، بل إجراء استثنائيا لا يلجأ إليه إلا في حالات محددة، تتجلى أساسا في ثبوت عسر المدين وانعدام أي ضمانات مالية أو ممتلكات قابلة للتنفيذ، وهو ما لم يثبت في هذه القضية، بحسب ما راج أمام المحكمة من وثائق ومعطيات.
وأعاد هذا القرار إلى الواجهة النقاش القانوني المرتبط بشروط تطبيق الإكراه البدني وحدوده، خاصة في القضايا ذات الطابع المدني أو التجاري، حيث يشدد الاجتهاد القضائي على ضرورة احترام مبدأ التناسب، وتفادي المساس بالحرية الشخصية خارج الضوابط الصارمة التي يحددها القانون.
في المقابل، أثار عدد من المتابعين تساؤلات حول السرعة التي جرى بها تداول معطيات ذات طابع شخصي وتجاري، لا علاقة لها بتدبير الشأن العام ولا بالمسؤوليات الانتدابية لبولعيش، معتبرين أن ذلك يطرح إشكالا حقيقيا حول مصادر تسريب هذه المعطيات، وحدود المسؤولية المهنية لبعض المنابر الإعلامية التي سارعت إلى النشر دون التحقق الكافي أو مراعاة طبيعة الملف وتداعياته.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن القضية لا يمكن فصلها كليا عن السياق العام، خاصة وأن بولعيش يعد من الأسماء التي تحظى بحضور وشعبية محلية، وتتداول بشأنه، في أوساط سياسية، تقديرات بخصوص حظوظه في العودة بقوة إلى الواجهة.
هذا وأكد متتابعون للشأن المحلي، أن استهداف بولعيش غير بريء من خلال تضليل العدالة و التصريح ببيانات كاذبة للقضاء بهدف تطبيق مسطرة الاكراه البدني في حق شخصية معروفة في الاوساط الاقتصادية بالمدينة و مستثمر في مجال العقار و شخصية سياسية بارزة.
وهو ما يغذي، بحسب هؤلاء، فرضية وجود محاولات للتشويش على صورته عبر توظيف ملف شخصي في سياق أقرب إلى التشهير منه إلى الإخبار.
وفي المحصلة، تكشف قضية بولعيش عن إشكالية مزدوجة، تتعلق أولا بضرورة التقيد الصارم بالمساطر القانونية وعدم توظيف الإجراءات الاستثنائية خارج شروطها، وثانيا بمسؤولية الإعلام في التمييز بين ما يهم الرأي العام وما يندرج ضمن الحياة الخاصة، حتى عندما يتعلق الأمر بمسؤولين منتخبين.
وهي إشكالية تظل مطروحة بقوة، في انتظار ترسيخ ممارسة إعلامية أكثر التزاما بأخلاقيات المهنة، بعيدة عن منطق الإثارة والحسابات غير المعلنة.







