تعيش مدينة طنجة هذه الأيام على وقع مشاهد مؤسفة ومقلقة، حيث اندلعت مواجهات بالحجارة بين شباب من أحياء مثل سيدي بوحاجة وحي النصر وأحياء أخرى، في مشهد صادم يعيد إلى الأذهان زمن “حرب الحوام” التي عاشتها المدينة قبل أكثر من خمسة عشر عاما.
تلك المرحلة التي ظن الجميع أنها انتهت إلى الأبد، ها هي تعود اليوم بثوب جديد، لتكشف أن المرض لم يعالج بل تم فقط إخفاؤه تحت غطاء الشعارات.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف بين شباب مراهقين، بل هو دليل صارخ على فشل الجمعيات والمجتمع المدني في أداء دورهم الحقيقي.
فطنجة تعج بعشرات الجمعيات التي تملأ الفضاءات بالشعارات والملصقات، وتنظم ندوات عن التنمية والتربية والتوعية، لكنها تغيب تماما عندما تشتعل الأحياء وتنفجر الأوضاع.
أين هم عندما يقذف الأطفال بالحجارة في الشوارع؟ أين هم من هؤلاء الشباب الذين تائهون بلا توجيه، بلا أنشطة، بلا من يسمعهم؟ لقد تحولت أغلب الجمعيات إلى أسماء على الورق، لا وجود لها إلا في الصور والمنشورات.
إن ما تعيشه طنجة اليوم هو نتيجة مباشرة لسنوات من التهاون والتجميل الزائف للواقع.
فبدل أن تنزل الجمعيات إلى الميدان لتحتضن المراهقين و الشباب وتمنحهم بديلا عن العنف، اكتفت بتوزيع الابتسامات أمام الكاميرات ورفع شعارات لا معنى لها.
المجتمع المدني الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن الشباب، أصبح اليوم جزءا من المشكلة بصمته وتواطئه المبطن مع اللامبالاة.
طنجة اليوم ليست بحاجة إلى شعارات ولا إلى مهرجانات جمعوية، بل إلى تحرك حقيقي يعيد الروح للأحياء قبل أن تبتلعها الفوضى من جديد.
فما يحدث في سيدي بوحاجة وحي النصر ليس حادثا عرضيا، بل نذير خطر يعكس انهيار القيم وغياب التأطير.







