في خرجة جديدة لا تخلو من السخرية الفجة واللغة السوقية، عاد موقع “كود” ليقدم عرضا مجانيا في فن التنمر الجغرافي، وهذه المرة على حساب مدينة طنجة وأهلها، حيث نعت ساكنة مدينة البوغاز بأنهم “منوضين قربالة”، في تعبير يوحي بأن من يرفع صوته للمطالبة بحقه صار مصدر إزعاج للبعض.
وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى هذا الوصف إلا بوصفه تعبيرا عن فشل في قراءة الواقع المحلي، أو ربما حنينا إلى زمن الصمت والخنوع.
طنجة، المدينة التي استقبلت القمم والقمم المضادة، ليست في حاجة إلى شهادات حسن سلوك من مواقع فقدت البوصلة، بل يكفي أن أهلها يحتجون بوعي، ويتكلمون بوضوح، ويطالبون بما هو مشروع.
من جهة أخرى، يبدو أن صاحب المقال استسهل استعمال “المساحيق الساخرة” للتغطية على ضعف المضمون، فقرر في لحظة تهكم غير موفقة أن يمر مرور الكرام على مدينة فاس، تاركا خلفه رائحة تحامل لا تخطئها أنف، ففاس ليست مجرد مدينة، بل ذاكرة وطن، ونعتها بما لا يليق ليس فقط تجن، بل إساءة مجانية لتاريخ مشترك نعتز به جميعا.
وفي ذات السياق، يطرح سؤال جوهري: هل أصبحت بعض المنابر الإلكترونية تعاني من فراغ في المضمون جعلها تلهث وراء “الترافيك” من بوابة استفزاز المدن والأشخاص؟ وهل اختلطت عند بعضهم مفاهيم حرية التعبير بالرغبة في الإثارة الفارغة؟ الواقع يؤكد أن بعض المقالات باتت لا تصلح حتى لأن تكون منشورات فايسبوكية كتبها مراهق بعد منتصف الليل.
وعليه، فإن هذا النوع من المحتوى لا يسهم في ترسيخ ثقافة النقاش، بل يكرس ثقافة الاحتقار والاختزال، والصحافة، حين تبتعد عن المهنية، وتتحول إلى أداة للتنابز، تفقد دورها التنويري، وتصبح عبئا على المهنة وعلى الوعي الجماعي.
و نقولها بكل وضوح: إذا كانت “القربالة” تعني أن نسمع صوتنا في وجه التهميش، ونطالب بحقوق مدننا، وننتقد الاختلالات، فمرحبا بهاد القربالة، وإذا كان “السكوت” هو ما يرضي بعض الأقلام، فنقول لهم: ليس فينا من يضع لسانه في جيبه.
فنحن، أبناء طنجة، “منوضين قربالة”، وسنبقى كذلك، لأن المدينة التي أنجبت الفكر والثقافة لا يمكن أن تسكت عن الرداءة، حتى لو لبست قناع السخرية الصحفية.







