لم يكن تصريح المستشار العربي المحرشي خلال دورة يوليوز العادية لمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة مجرد “زلة لسان”، بل كشف، ربما دون قصد، عمق التوتر القائم بين المجلس الذي يخصص ميزانيات ضخمة لعقود الإشهار، وصحافة لا تكف عن إحراجه بتقارير تُراعي نبض الواقع أكثر من التمويل الإعلامي.
وفي هذا السياق، تساءل العديد من المتتبعين: إذا كان المجلس يوزع الدعم الإعلاني بسخاء، فلماذا لا تسكت الصحافة؟ والجواب بسيط؛ الاختلالات أكثر عمقًا من أن تُستَّر بالإعلانات المدفوعة، والمشاريع المتعثرة، والطرقات “المبرمجة انتخابيًا”، أو تلك المنجزة في الخيال، لا تُجدي معها حتى محاولات “التجميل” الإعلامي.
يبدو أن المكتب المسير، بقيادة عمر مورو عن حزب التجمع الوطني للأحرار، لا يزال يبحث عن “هوية إنجاز”، وسط حصيلة وصفها البعض بـ”المرتبكة”. فبينما تساق البرامج التنموية بخطاب منتفخ، يشهد الواقع على مشاريع تُنفذها الوكالة الجهوية دون المرور عبر بوابة الاتفاقيات الرسمية، في صورة غير منظمة تثير العديد من التساؤلات.
وفي هذا السياق، لم يتردد والي الجهة، يونس التازي، في إظهار الفوضى المؤسسية، حين أكد أن بعض المشاريع تُنفذ خارج إطار دفاتر الشروط والاتفاقيات الرسمية، ما يعكس حالة من “الارتجالية” في التدبير، ويطرح تساؤلات حول الجهات التي تتخذ القرارات ومن يقف وراء متابعة التنفيذ.
أما فيما يتعلق بالاستثمار، فقد أصبح “الحصان الرابح” الذي يسعى الجميع للركوب عليه, غير أن الواقع يكشف أن معظم المشاريع الصناعية الكبرى التي تعرفها مدينة طنجة، على وجه الخصوص، والجهة عموما، تأتي بمبادرات من وزارة الصناعة أو بقرارات مباشرة من المجموعات الأم، مستفيدة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي ومن البنيات التحتية المتطورة، مثل ميناء طنجة المتوسط.
في المقابل، يبقى دور مجلس الجهة محدودا، وغالبا ما يقتصر على الحضور البروتوكولي، مع تبني غير مباشر لهذه المشاريع ضمن خطاب رسمي يدرجها في خانة “الإنجازات” دون أن يكون لها دور ملموس في استقطابها أو تنفيذها.
وتجدر الإشارة إلى أن “الورقة الرابحة” التي يلوح بها مجلس الجهة بين الفينة والأخرى، والمتمثلة في مشروع المدينة الصناعية الصينية “طنجة تيك”، تعود في أصلها إلى ولاية الرئيس السابق إلياس العماري، في إطار شراكة بين المملكة المغربية وجهات استثمارية صينية.
ورغم تعثر المشروع لعدة سنوات، إلا أنه تم إعادة إطلاقه مؤخرا بصيغة جديدة، ويُعرض اليوم ضمن “إنجازات المجلس”، مما يطرح تساؤلات حول مصداقية هذا الترويج السياسي، وما إذا كان يعتمد على وقائع دقيقة أم مجرد محاولة لإعادة تسويق مشروع لم يبدأه المجلس الحالي.
أما على مستوى التنمية المجالية، فلا تزال عدة أقاليم داخل الجهة تعاني من تأخر ملحوظ في تنفيذ المشاريع الاجتماعية والبنية التحتية، التي يبدو أنها تنجز بوتيرة بطيئة للغاية، “بالقطارة” كما وصفها بعض متتبعي الشأن العام، في ظل غياب التنسيق وافتقار الرؤية التنموية المتوازنة ،حيث زاد هذا الواقع من حدة الانتقادات، حتى من داخل المجلس نفسه، خاصة من ممثلي المناطق التي تشعر بالتهميش وعدم الإنصاف في توزيع الاستثمارات والبرامج الجهوية.
في الختام، تعيد تصريحات المحرشي الأخيرة تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين المجالس المنتخبة والإعلام، وتُثير سؤالا حيويا حول أهمية تكريس ثقافة المحاسبة والمساءلة بدل الاتهام والتخوين، كما تطرح بإلحاح مسألة النجاعة في أداء المجالس الجهوية ومدى ارتباط البرامج المعلنة بالنتائج المحققة على أرض الواقع.







