يبدو أن مدينة طنجة قد تحولت، مرة أخرى، إلى محمية طبيعية شاسعة لأسراب البعوض، التي قررت أن تصنع لنفسها موسما سياحيا خاصا بها على حساب راحة السكان، في ظل الغياب التام لمصلحة حفظ الصحة التابعة للمجلس الجماعي، والتي يبدو أنها تخلت عن مهامها لصالح هذا الضيف المزعج.
ويعيش سكان عدد من الأحياء الطنجاوية تحت وطأة “هجمات ليلية” لا ترحم، تشنها أسراب البعوض بلا توقف، حيث تفرض حالة طوارئ غير معلنة داخل البيوت: نوافذ موصدة، مراوح شغالة، وشبكات واقية تحول الأسرة إلى خيم عسكرية مؤقتة.
أما من لا يملك هذه الوسائل، فليس له إلا الاستسلام والاحتكاك المباشر مع العدو.
ويبدو أن المسؤولين الجماعيين قد قرروا ترك السكان في مواجهة مباشرة مع هذه الكائنات المجنحة، التي لا تميز بين غني وفقير، ولا بين ساكن في “البرانص” أو “بني مكادة”.
أما حملات الرش؟ التعقيم؟ تنظيف المستنقعات؟ تلك مجرد مفردات رفاهية لا وجود لها هذا الموسم، رغم أن شهر يونيو يوشك على البداية، وكأن البعوض يحتاج إلى دعوة رسمية كي يبدأ في الانتشار.
وفي هذا الإطار، عبر عدد من المواطنين عن استغرابهم من غياب أي تحرك ملموس، مشيرين إلى أن المجلس الجماعي لا يتحرك إلا إذا تعلق الأمر بزيارة ملكية مرتقبة، حينها فقط تستنفر كل الأجهزة، وتطلق المبيدات في السماء، وتتحول المدينة فجأة إلى لوحة نظافة نموذجية، لكنها لا تدوم أكثر من 48 ساعة، ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها وكأن شيئا لم يكن.
وعلى ذكر المبيدات، فقد وجد المواطنون أنفسهم مضطرين لشراء منتجات كيميائية من جيوبهم الخاصة، في محاولة يائسة لصد الهجوم، لكن أغلب هذه المنتجات لا تصمد أمام “حنكة” البعوض المحلي، الذي يبدو أنه بات يطور مناعته عاما بعد عام، حتى بات بعض السكان يتندرون بالقول إن “بعوض طنجة يحتاج إلى رخصة قبل رشه، أو ربما دعوة رسمية من وزارة الداخلية”.
من جهة ثانية، تتحدث تقارير عن وجود عشرات النقاط السوداء التي تعد بؤرا لتكاثر البعوض، من ضمنها مستنقعات مهملة، وأزقة تعاني من الصرف الصحي العشوائي، دون أن تحرك الجهات المعنية ساكنا. بل يبدو أن البعوض، على خلاف المجلس، قد قام بجرد شامل للمدينة، ووزع قواته حسب الكثافة السكانية.
ويختم المواطنون شكواهم، لا بالأمل، بل بالسخرية، حيث باتوا يتمنون وصول الملك محمد السادس نصره الله إلى طنجة في أقرب وقت، لأنهم يدركون أن ذلك هو “الزر السحري” الوحيد القادر على تشغيل آلات الرش والنظافة، ولو مؤقتا، قبل أن تعود الحشرات إلى الحكم.







