يبدو أن مدينة طنجة في طريقها لتصبح من رواد الرفاه الحضري، ليس عبر خطوط المترو ولا مشاريع كبرى للبنية التحتية، بل من خلال ثمانية مراحيض عمومية “فاخرة”، بلغت كلفتها الإجمالية أزيد من 15.5 مليون درهم، أي ما يعادل 200 مليون سنتيم لكل مرحاض. نعم، للمرحاض الواحد.
وحسب ما كشفت عنه وثائق الصفقة التي تسهر على تنفيذها شركة “طنجة موبيليتي”، فإن المشروع لا يقتصر فقط على مقصورات لقضاء الحاجة، بل يشمل تجهيزات بتقنيات عالية من التنظيف الذاتي، والتعقيم الآلي، والأبواب الذكية التي تفتح وتغلق أوتوماتيكياً، وربما تسألك عن حالتك المزاجية قبل أن تسمح لك بالدخول.
من جهتها، تفرض بنود دفتر التحملات ربط هذه “التحف الصحية” بشبكات الماء والكهرباء والتطهير، مع بناء قواعد خرسانية خاصة، وتوفير ولوجية لذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى تنسيق عمراني يتماشى مع جمالية المدينة، فحتى المحيط يجب أن يحظى بلمسات فنية تليق بمقام المراحيض.
وفي المقابل، أثارت هذه الصفقة موجة من التعليقات الساخرة على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد أن تبيّن أن مدناً كبرى مثل الدار البيضاء والرباط سبق أن ركبت مراحيض مشابهة بكلفة لم تتجاوز 60 مليون سنتيم، ما يطرح سؤالاً بسيطاً: ما الذي يجعل “مراحيض طنجة” أغلى بثلاثة أضعاف؟ هل تغني؟ هل تتحدث؟ أم أنها مبرمجة على غناء الطرب الأندلسي؟
وفي الوقت الذي يطالب فيه المواطنون بمرافق صحية في المدارس، والطرقات، والمستشفيات، يطرح المشروع تساؤلات أعمق عن ترتيب الأولويات، وكيفية تدبير المال العام، في مدينة تواجه تحديات عمرانية واجتماعية أكبر بكثير من أزمة “دورات المياه”.
ويبقى الرأي العام في انتظار رد الجهات الرسمية أو إصدار بلاغ يشرح “أسرار هذه التكنولوجيا الفريدة”، في وقت لم يعد فيه المواطن يبحث عن مرحاض فاخر، بقدر ما يبحث عن مرحاض موجود أصلاً.







