شهد المغرب قبل 17 عاماً وبالضبط في سنة “2007” حدثا اقتصاديا بارزاً تمثل في استقبال جلالة الملك محمد السادس لرئيس مجموعة “رونو نيسان” آنذاك، كارلوس غصن، وتوقيع اتفاقية لإنشاء مصنع ضخم في مدينة طنجة.
إزاء تلك اللحظة، بدا الاستقبال الملكي لشخصية اقتصادية “مجردة من الأبعاد السياسية” أمرا غير مألوف، بل استغرب كثيرون حجم البروتوكول المرافق لذلك الحدث، متسائلين عن أبعاده ووجاهته.
و اعتبر اللقاء في حينه خطوة غير مبررة بالنسبة للبعض، حيث رأت فئة من المتابعين أن مهمة توقيع مثل هذه الاتفاقيات تقع ضمن اختصاص الوزراء والمسؤولين الحكوميين.
إلا أن الزمن وحده كفيل بكشف الرؤية البعيدة لجلالة الملك، الذي كان ينظر إلى هذا المشروع بوصفه انطلاقة استراتيجية نحو إرساء صناعة سيارات قوية بالمملكة.
ومن جهة أخرى، أثبتت تطورات العقد ونصف الماضي صحة هذه الرؤية الملكية بعيدة المدى، إذ أصبح مصنع رونو نيسان بطنجة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، بمساهمة سنوية تفوق 11 مليار دولار في الاقتصاد المغربي.
وبذلك، تجاوزت عائداته مداخيل الفوسفاط، الذي طالما اعتُبر الثروة الأساسية للمملكة المغربية.
وفي ذات السياق، تحولت صناعة السيارات إلى القطاع التصديري الأول بالمغرب، بمساهمة تقارب 19% من الناتج الداخلي الخام، محدثة بذلك ثورة صناعية حديثة في شمال المغرب خاصة والقارة الإفريقية عامة، وموفرة آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة.
ومن منظور استراتيجي، لم يكن اللقاء الملكي مجرد بروتوكول اقتصادي، بل كان تعبيرا عن إرادة ملكية لجعل المغرب منصة صناعية عالمية، قادرة على جذب الاستثمارات الكبرى، وتعزيز تنافسيته في الأسواق الأوروبية والأفريقية.
ويتضح اليوم أن الاستقبال الملكي لكارلوس غصن لم يكن تكريما لشخصه بقدر ما كان رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن المغرب يراهن على المستقبل، ويؤمن بأن الاستثمار في الرؤية والإرادة هو الطريق إلى النمو والتحول.







