أطلق نشطاء مدنيون بمدينة طنجة نداء تحذير بشأن الوضعية المقلقة التي آلت إليها منارة الشرف التاريخية، محذرين من خطر حقيقي يهدد بانهيار أجزاء من هذه المعلمة التي تشكل أحد رموز الهوية البصرية لعاصمة البوغاز، في ظل توسع عمراني متسارع بات يطوق المآثر التاريخية للمدينة.
وجاء هذا التحرك عقب زيارة ميدانية قام بها أعضاء مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة إلى موقع المنارة بهضبة الشرف، حيث وقفوا على مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تهدد سلامة المعلمة والمباني المجاورة لها، رغم خضوعها لأشغال ترميم حديثة لم تنجح، بحسب الفاعلين المدنيين، في إيقاف مسلسل التدهور.
وكشف المرصد، في تقرير مفصل، أن الخطر المحدق بالمنارة لا يرتبط فقط بعوامل الزمن أو التعرية الطبيعية، بل يتجاوز ذلك إلى اختلالات هيكلية مقلقة، من بينها تصدعات تطال البنايات المحيطة بالموقع، ما ينذر بفقدان جزء مهم من الذاكرة المعمارية للمدينة في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.
وتُعد منارة الشرف، المشيدة سنة 1913، واحدة من أقدم المنارات الحديثة بشمال المغرب، وقد اكتسبت أهميتها من الموقع الاستراتيجي لمدينة طنجة كبوابة بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. كما تم تصنيفها ضمن الآثار الوطنية سنة 1944، اعترافًا بقيمتها التاريخية والهندسية ودورها الحيوي في تأمين الملاحة البحرية عبر مضيق جبل طارق ولسفن ميناء طنجة.
غير أن هذه الوظيفة بدأت تتلاشى تدريجيًا، بحسب التقرير ذاته، بفعل التوسع العمراني العشوائي الذي عرفته منطقة الشرف ومحيطها خلال السنوات الأخيرة، حيث حجبت المباني المرتفعة الرؤية بين المنارة والبحر، وجعلت ضوءها غير قادر على أداء دوره الملاحي، محولة إياها إلى بناية معزولة وسط كتلة إسمنتية كثيفة، في ما وصفه المدافعون عن التراث بـ“تشويه بصري وتاريخي خطير”.
وتأتي هذه التطورات في سياق تعيش فيه طنجة منذ عقدين دينامية عمرانية واقتصادية متسارعة، جعلت منها قطبًا صناعيا ولوجستيا بارزًا، غير أن هذا التحول السريع يطرح، في المقابل، تحديات حقيقية تتعلق بالتوفيق بين متطلبات التنمية الحديثة والحفاظ على النسيج التاريخي والمعالم المصنفة، خصوصًا بالمناطق المحاذية للمدينة العتيقة والمواقع المرتفعة مثل الشرف والجبل الكبير.
وأمام هذا الوضع، دعا المرصد السلطات المحلية ووزارة الثقافة إلى إطلاق برنامج استعجالي لا يقتصر على تدخلات ترميمية سطحية، بل يعتمد مقاربة علمية دقيقة، تشمل دراسات تقنية معمقة حول طبيعة التربة وتأثير البنايات المجاورة على أساسات المنارة، مع وقف أي أنشطة قد تزيد من تدهور الموقع إلى حين استكمال هذه الدراسات.
كما شدد الفاعلون المدنيون على ضرورة إعادة إدماج منارة الشرف ضمن الخريطة السياحية والثقافية لمدينة طنجة، ليس فقط كمعلمة صامتة، بل كجزء من مسار ثقافي يبرز التاريخ البحري والدبلوماسي للمدينة، خاصة في ظل سعي المغرب إلى تسجيل طنجة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
ويرى مهتمون بالشأن التراثي أن الحفاظ على أصالة المواقع التاريخية وتكاملها مع محيطها العمراني والطبيعي يعد شرطًا أساسيًا في معايير اليونسكو، معتبرين أن وضعية منارة الشرف تشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الجهات المعنية بصون الرأسمال الثقافي واللامادي للمدينة.
وختم المرصد بلاغه بالتأكيد على أن حماية منارة الشرف مسؤولية جماعية، محذرًا من أن التفريط في الشواهد التاريخية هو تفريط في الهوية، وداعيًا إلى تحرك عاجل قبل فوات الأوان.







