تعيش مدينة طنجة على وقع جدل كبير بعد انتشار صور توثق انطلاق أشغال بناء داخل غابة مديونة، التي تعد آخر رئة خضراء في المدينة، رغم تصنيفها منذ أكثر من عقد كمجال غابوي محمي وفق تصميم التهيئة.
هذا المشهد أثار موجة استنكار واسعة بين سكان طنجة، الذين عبروا عن غضبهم من استمرار “زحف الإسمنت” على المساحات الطبيعية التي تشكل متنفسهم الوحيد.
المفارقة التي صدمت الطنجيين تكمن في أن المواطن البسيط يمنع من بناء غرفة صغيرة فوق سطح منزله بدعوى “عدم احترام تصميم التهيئة”، في حين تغرس الأعمدة الخرسانية في قلب غابة مصنفة ومحمية، دون حسيب أو رقيب.
وضع يطرح أسئلة محرجة حول عدالة رخص البناء في طنجة، وعن الجهة التي منحت الضوء الأخضر لمشروع يهدد واحدة من أهم الغابات الحضرية في شمال المغرب.
الغاضبون يرون في ما يحدث حلقة جديدة من مسلسل تحويل الغابات إلى مشاريع عقارية تخدم مصالح فئة محدودة من “المحظوظين”، معتبرين أن المدينة تسير في اتجاه فقدان هويتها البيئية والتاريخية.
ويتساءل كثيرون عن دور الوكالة الحضرية، وجماعة طنجة، والسلطات الإقليمية في حماية هذا الفضاء الطبيعي الذي لا يقتصر على الأشجار فحسب، بل يمثل إرثا بيئيا وإنسانيا للمدينة وسكانها.
في المقابل، تبرر بعض الجهات أن الأشغال “قانونية” أو “تخص قطعا سبق تفويتها منذ سنوات”، غير أن هذا التبرير لا يقنع الرأي العام المحلي، خصوصا مع استمرار تقلص الغابة عاما بعد آخر، في ظل غياب تحقيقات جادة تكشف من يقف وراء هذه المشاريع ومن المستفيد الحقيقي منها.
مدينة البوغاز التي كانت تعرف بساحلها الممتد وغاباتها الغنية، بدأت تفقد تدريجيا توازنها البيئي أمام زحف مشاريع عقارية فاخرة تمتد من الرميلات إلى المنار ومديونة.
فالأشجار تقتلع والإسمنت يزرع مكانها، في مشهد يعكس اختلالا عميقا في أولويات التنمية الحضرية.
القضية لم تعد بيئية فقط، بل تحولت إلى قضية عدالة مجالية واجتماعية، إذ يرى سكان طنجة أنه من غير المنصف أن يمنع الفقراء من بناء مساكن بسيطة، بينما يسمح للأثرياء بتغيير وجه المدينة تحت غطاء “الاستثمار”.
لذلك، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح نقاش عمومي شفاف حول مصير غابات طنجة، وإشراك المجتمع المدني في قرارات تخطيط المجال، حماية لما تبقى من هواء نقي وتوازن بيئي في المدينة.







