في خضم التحولات العمرانية المتسارعة التي تعرفها مدينة طنجة، عاد ملف الوعاء العقاري المعروف بـ“سجن سات فيلاج” إلى الواجهة، بعد قرار تخصيصه للبناء، في تراجع واضح عن التصميم السابق لسنة 2019 الذي كان يقترح تحويله إلى مساحة خضراء، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول أولويات التخطيط الحضري، وحول الجهة التي تنتصر فعلاً لمصلحة الساكنة، هل هي المدينة أم وحوش العقار وأباطرة الاستثمار الذين يرون في كل متر مربع فرصة للربح ولو على حساب جودة الحياة.
قرار إعادة توجيه هذا العقار نحو البناء لا يمكن فصله عن ضغط السوق العقارية، حيث أصبحت المساحات القليلة المتبقية داخل النسيج الحضري هدفاً مباشراً للمضاربات، غير أن هذا المنطق الربحي يصطدم بحاجيات حقيقية وملحة لساكنة طنجة، التي تعاني من خصاص واضح في الفضاءات الخضراء، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والحركية المرورية الكبيرة.
لقد كان مشروع تحويل الموقع إلى فضاء أخضر سنة 2019 بمثابة مكسب حضري مهم ينسجم مع التوجهات الحديثة للتخطيط التي تضع جودة الحياة في صلب الأولويات، لكن التراجع عن هذا الخيار يطرح علامات استفهام حول استمرارية السياسات العمومية، ومدى احترام الالتزامات السابقة.
طنجة اليوم ليست فقط قطباً اقتصادياً صاعداً، بل أيضاً مدينة تواجه تحديات بيئية متزايدة، فالتوسع العمراني غير المتوازن يهدد بتحويلها إلى كتلة إسمنتية خانقة، في غياب متنفسات طبيعية كافية، والفضاءات الخضراء لم تعد ترفاً جمالياً، بل ضرورة صحية وبيئية، تساهم في تحسين جودة الهواء، وتقليص درجات الحرارة داخل المدينة، وتوفير فضاءات للترفيه والرياضة، وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية للسكان.
وبالتالي فإن فقدان فرصة تحويل “سجن سات فيلاج” إلى حديقة عمومية كبيرة، يعني إهدار إمكانية خلق توازن حضري طال انتظاره.
الرهان اليوم يتجاوز قطعة أرض بعينها، ليطرح سؤالاً أعمق، هل تستطيع طنجة فرض رؤية تنموية متوازنة تضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، أم أنها ستظل رهينة لضغوط لوبيات العقار.
إن الحفاظ على هذا العقار كمساحة خضراء لن يكون فقط انتصاراً بيئياً، بل خطوة ضرورية لضمان جودة العيش داخل مدينة تعرف نمواً متسارعاً.
قضية “سجن سات فيلاج” تختزل صراعاً قائماً في العديد من المدن المغربية، صراع بين حق المواطن في فضاء صحي ومتوازن، وبين منطق الاستثمار غير المنضبط، وإذا كانت طنجة تطمح إلى أن تكون مدينة عالمية، فإن أول شروط ذلك هو ضمان جودة العيش لسكانها، عبر حماية ما تبقى من مساحاتها المفتوحة، فالقرار اليوم ليس تقنياً فقط، بل يتعلق بمستقبل المدينة نفسها، إما مدينة تتنفس، أو مدينة تختنق.







