في مدينةٍ كانت تختنق بين فوضى الواقع وتراخي تطبيق القانون، حيث تغيب المحاسبة ويُكافأ الالتفاف، وُلدت حكاية ليست استثناءً، بل نموذجاً يتكرّر بصمت، وهي حكاية الثعلب الماكر الذي لم يأتِ من فراغ، بل صعد عبره.
لم يكن اسماً لامعاً ولا وجهاً مألوفاً في المدينة، مجرد شخص عادي، يدير معملاً صغيراً لصناعة الجلد، يجرّ خلفه ديوناً أثقلت كاهله، لكن ما كان يميّزه لم يكن رأس المال، بل عقلية تُجيد قراءة الثغرات، وتعرف كيف تتحرّك بين الخطوط دون أن تُرى.
في عالمٍ تسوده القواعد، اختار أن يلعب هذا الثعلب خارجها، شيئاً فشيئاً، لم يعد المال هدفاً كافياً، والطموح تضخّم، والشهية اتّسعت، وهنا، لم يجد الثعلب طريقاً أقصر من السياسة، لا من باب المبادئ، بل من باب الحصانة.
فحين تصبح السياسة درعاً، يتحوّل كل شيء إلى مشروع قابل للتضخيم، الثروة، النفوذ، وحتى الصورة.
لم يكن دخوله عشوائياً، بل كان محسوباً بدقة، بحيث اختار بوابة حزبٍ كبير، حيث تُفتح الأبواب لمن يعرف كيف يطرقها، أو كيف يتجاوزها، ومن هناك، بدأ اسمه يتردّد، لا في المنابر، بل في الكواليس، حيث تُصنع القرارات الحقيقية.
وبسرعة تُثير التساؤل، تغيّرت المعادلة، ديون الأمس اختفت، مشاريع اليوم تضخّمت، وفيلات الأمس البعيدة أصبحت واقعاً ملموساً، هنا وهناك، وحتى خارج الحدود.
الثعلب الماكر لم يعد مجرد صاحب معمل، بل تحوّل إلى رقم صعب في معادلة المدينة، لكن اللافت أكثر، ليس فقط تضخم الثروة، بل نمط الحياة.
فالثعلب الماكر أصبح كثير الترحال، دائم التنقّل بين العواصم، حتى أطلق عليه البعض لقب “الرحّالة ابن بطوطة”، في مفارقةٍ ساخرة بين كثرة أسفاره وغيابه شبه الدائم عن هموم المدينة التي يفترض أنه يدبّر شؤونها.
مدينةٌ تئن تحت ضغط المشاكل اليومية، من بنية تحتية مهترئة إلى اختلالات تدبيرية واضحة، بينما صاحب القرار مشغول برحلاته، وكأن المسؤولية مجرد لقب، لا التزام.
ولولا تدخل رجال السلطة الحقيقيين، وعلى رأسهم والي الجهة، لكانت المدينة قد غرقت فعلاً في مزيد من الفوضى، في الحفر والظلام، وفي اختلالات لا تجد من يوقفها.
واقعٌ يكشف أن من يسير الأمور فعلياً ليس من انتُخب، بل من يتحمّل عبء التدبير بعيداً عن الأضواء.
أما في الكواليس، فالصورة أكثر قتامة، صفقات بالملايين تُدار في الظل، ترتيبات تُطبخ بعيداً عن أعين الرأي العام، وشبكة مصالح تتقاطع فيها السياسة بالمال.
وأبرز من ذلك، ملفات ثقيلة تحمل معطيات صادمة حول كيفية تمرير صفقات وتفصيلها على المقاس، نشرت من قبل وسنعيد نشرها من جديد مع أخرى لم ترى النور من قبل.
هنا، لا يعود الحديث عن اجتهاد فردي، بل عن منظومة، منظومة تُتقن إعادة تدوير النفوذ، وتحوّل المسؤولية إلى فرصة للإثراء، وتُفرغ السياسة من معناها الحقيقي.
وحين يصبح المنتخب غائباً، والمسؤول الفعلي في مكان آخر، تتشوّه قواعد اللعبة بالكامل.
هذه ليست قصة شخص واحد، إنها قصة واقعٍ يسمح للثعالب أن تتكاثر، وللغابة أن تصمت، وحين يصمت الجميع، يصبح الثعلب سيد الغابة.







