في خروج وصفه متتبعون للشأن المحلي بـ”المرتبك والفاقد للبوصلة”، اختار النائب الأول لرئيس جماعة اكزناية ضواحي مدينة طنجة، أن يخاطب الساكنة عبر فيديو منشور على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، امتد لأزيد من سبع دقائق، دون أن يحمل في طياته مضمونا سياسيا أو معطيات تدبيرية تبرر هذه الخرجة أو تمنحها معنى واضحا في سياق مسؤولية عمومية مفترضة.
الفيديو، الذي مر ثقيلا على المتابعين، خلا للأسف من أي حديث عن حصيلة قطاع التعمير الذي يشرف عليه النائب الأول، كما تجاهل بشكل لافت ومقصود انتظارات المواطنين المرتبطة بتبسيط المساطر، ومحاربة مظاهر العشوائية، وتسريع منح الرخص، ومعالجة اختلالات يعرفها القطاع منذ سنوات.
وبدل ذلك، انشغل المتحدث بخطاب عام عن “التآخي” و”المحبة” بين نواب المجلس، وهو خطاب، وإن بدا أخلاقيا في ظاهره، إلا أنه يفتقد لأي صلة مباشرة بهموم الساكنة أو بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
الإشكال في هذه الخرجة لا يكمن فقط في فقرها من حيث المحتوى، بل في توقيتها ودلالاتها السياسية، على اعتبار أن المسؤول المنتخب لا يظهر فجأة ليقول “لا شيء”، ولا يخاطب الرأي العام دون رسالة محددة، خاصة في مرحلة تقترب فيها الاستحقاقات الانتخابية، حيث تصبح كل إطلالة محسوبة على صاحبها.
وهو ما يطرح سؤالا مشروعا هو، هل كان الهدف من هذا الفيديو هو التواصل مع الساكنة، أم مجرد استهلاك للصورة السياسية ومحاولة لإعادة التموقع في الخريطة السياسية المحلية دون تقديم مقابل فعلي؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن النائب الأول، بدل أن يستثمر هذه المساحة الرقمية لتقديم أرقام، أو توضيح اختيارات، أو حتى الاعتراف بإخفاقات، اختار لغة فضفاضة لا تقدم ولا تؤخر، وكأن المنصب الجماعي وظيفة رمزية لا تقتضي إنجازا ولا تفرض مساءلة.
وهو خطاب يعكس، في العمق، أزمة في فهم دور المنتخب المحلي، الذي يفترض فيه أن يكون فاعلا في الميدان، لا مجرد متحدث عابر في منصات التواصل الاجتماعي.
كما أن تعمد تغييب حصيلة أربع سنوات من التدبير يفتح الباب أمام قراءة أكثر حدة حول ما إن كان هناك حقا ما يمكن تقديمه أصلا؟ أم أن الصمت المقنع بخطاب إنشائي هو الخيار الأسهل للهروب من الأسئلة المحرجة؟ فالتواصل الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالمنجز، أو بالحد الأدنى من الشجاعة السياسية للاعتراف بالتعثر.
في السياق ذاته، يلاحظ متابعون للشأن المحلي بجماعة أگزناية أن مثل هذه الخرجات، بدل أن تعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة، تكرس الإحساس بالفراغ السياسي، وتغذي صورة منتخبين يعيشون على وقع “الظهور” لا “الإنجاز”، وعلى منطق الخطاب بدل منطق الفعل، وهو ما يسيء، في نهاية المطاف، إلى العمل الجماعي وإلى صورة التدبير المحلي برمته.
اليوم ساكنة جماعة اگزناية لا تنتظر دروسا في الأخلاق السياسية من أحد، ولا خطابات إنشائية عن الانسجام داخل المجلس، بل تنتظر إجابات واضحة عن ملف التعمير، عن تسهيل المساطر، عن محاربة الريع، وعن احترام الزمن الإداري، وبالتالي كل خروج إعلامي لا يلامس هذه القضايا يظل بلا قيمة سياسية، مهما طال زمنه أو كثر تداوله.
في المحصلة، يمكن القول إن خرجة النائب الأول لرئيس جماعة اكزناية كانت مناسبة ضائعة، كشفت عن ارتباك في الخطاب أكثر مما كشفت عن رؤية أو مشروع، كما أنها رسالة سلبية في توقيت حساس، تؤكد أن السياسة المحلية في حاجة ماسة إلى تواصل مسؤول، يقوم على الحصيلة والوضوح، لا على الكلام العام الذي لا يقول شيئا، حتى ولو استغرق سبع دقائق ونصف.







