ما تزال مدينة طنجة تعيش على وقع خروقات متتالية في قطاع تدبير النفايات، رغم الميزانيات الضخمة التي تضخ في هذا المجال من المال العام.
وفي أحدث تجليات هذا الوضع المختل، تفجرت خلال الأيام القليلة الماضية فضيحة بيئية مدوية تورط إحدى الشركات المفوض لها تدبير قطاع النظافة، بعدما تم ضبطها تتخلص من عصارة النفايات السامة، المعروفة علميا بـ”ليكسيفيسيا” وعمليا بـ”عصير الأزبال”، بطريقة غير قانونية وفي موقع حساس بالقرب من ميناء طنجة المدينة.
وكشفت معطيات ميدانية أن هذه الشركة، التي تستنزف سنويا الملايين من ميزانية الجماعة، قامت برمي هذه المادة السامة في أماكن غير مرخصة، بدل التوجه بها نحو مراكز معالجة خاصة كما ينص على ذلك دفتر التحملات الموقع مع الجماعة.
وتؤكد المصادر ذاتها أن هذه العملية تمت بتنسيق مشترك مع شركة “أمانديس”، ما يثير الريبة بشأن مدى تورط أطراف متعددة في هذه الجريمة البيئية.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن التلوث الناتج عن هذا التصرف غير المسؤول كان له أثر مباشر على تصنيف شاطئ “البلايا”، حيث تم حرمانه هذا الصيف من “اللواء الأزرق”، وهو التميز البيئي العالمي الذي يمنح فقط للشواطئ المطابقة للمعايير الدولية في النظافة وجودة المياه والسلامة البيئية.
ويعني هذا الإجراء عمليا أن الشاطئ لم يعد صالحا للسباحة، وهو ما يشكل انتكاسة حقيقية لصورة طنجة كوجهة سياحية صيفية.
وفي هذا الإطار، تتصاعد علامات الاستفهام حول أسباب غياب أي تحرك رسمي من رئيس جماعة طنجة، منير ليموري، الذي لم يبدِ إلى حدود الساعة أي موقف واضح أو إجراء قانوني في حق الشركة، لا من باب التغريم ولا من باب فسخ العقد أو تفعيل المتابعة القضائية.
وتذهب التأويلات في الشارع الطنجي إلى أن هذا الصمت المطبق قد يكون مرتبطا بعلاقات صداقة قوية تربط ليموري بصاحب الشركة، وهو رجل أعمال بارز ضمن نادي أثرياء المغرب، وله استثمارات واسعة تمتد خارج البلاد، أبرزها فوزه بصفقة القرن بموريتانيا لتدبير النفايات.
على صعيد متصل، عبرت عدة جمعيات بيئية وحقوقية عن استيائها الشديد من ما وصفته بـ”منطق الإفلات من العقاب”، معتبرة أن ما جرى لا يمكن أن يُفسر إلا كتواطؤ سياسي واقتصادي هدفه التستر على خروقات فاضحة تستوجب المحاسبة ،وإذا كانت الروائح الكريهة لعصارة الأزبال قد أزكمت الأنوف، فإن رائحة تضارب المصالح باتت هي الأخرى لا تطاق.
و طالبت هذه الهيئات والي الجهة والسلطات الترابية بفتح تحقيق فوري ومستقل، والنظر في مدى التزام الشركة المعنية بدفتر التحملات، وتحديد المسؤوليات بدقة من أجل حماية البيئة ومصلحة المواطنين.
وفي خضم هذه التطورات، يطرح مجددا سؤال كبير على طاولة النقاش العمومي: إلى أي مدى تلتزم المجالس المنتخبة بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كما دعا إليه جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2017، حيث قال: “لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة”، مؤكدا ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الدستور في هذا الشأن؟
هل نحن أمام مجلس جماعي يخضع الشركات للمساءلة ويدافع عن المصلحة العامة، أم أمام مسؤولين يغرقون في تضارب المصالح ويغضون الطرف عن أفعال شركائهم المقربين؟ الجواب ما زال معلقا لكن عطر “عصير الأزبال” وصل للجميع.







