أثناء انعقاد أشغال دورة يونيو العادية لمجلس مقاطعة بني مكادة، لم تكن الجلسة عادية على الإطلاق، بعدما تحوّل النقاش إلى ساحة مواجهة كلامية بين أعضاء من الأغلبية المسيرة نفسها.
ولم يضِع المستشار عن حزب الأصالة والمعاصرة، محمد الحميدي، الفرصة لتمرير ما يشبه “رسائل بلا طوابع”، كانت موجهة بشكل مباشر للرئيس محمد الحمامي، مشككاً في طريقة تدبيره للمقاطعة، ومذكراً إيّاه بأن “تشبثهم بالأغلبية لا يعني بالضرورة القبول بتصرفات فردية تغرد خارج سرب المصلحة العامة”.
وفي ذات السياق، انتقد الحميدي ما وصفه بـ”الردّة الإدارية” التي تعرفها المقاطعة، قائلاً بالحرف: “رجعتو الإدارة للحضيض، دمرتو سنوات من التحسن كانت خلال فترة العدالة والتنمية، رغم اختلافنا معهم، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق”.
تصريحات لم تمر مرور الكرام، خاصة أنها جاءت بنبرة غاضبة تتقاطع بين الغيرة السياسية والسخرية من ما اعتبره “ارتجالاً في التسيير، وسوء فهم لطبيعة التغيير المنشود”.
من جهة أخرى، لم يفوّت الحميدي الفرصة لتفجير ملف البناء العشوائي، معيدا إلى الواجهة فصولاً من التسيير السابق للمقاطعة، بقوله: “خرجتي على بني مكادة بالبناء العشوائي، والآن نحن نؤدي الفاتورة، والمواطنون هم من يتحملون نتائج ذلك العبث”.
وهي إشارات لم تخلُ من التلميح إلى مسؤوليات مباشرة يحملها للرئيس الحالي في انتشار الفوضى العمرانية.
وفي هذا الإطار، صوّب المستشار المعارض داخل الأغلبية نيران نقده لقرارات تغيير الموظفين، واعتبرها “سلوكا انتقاميا”، مضيفا بتهكم: “كل من لا يساير هواكم يُستبدل، وكأننا في إدارة خاصة، لا مرفق عمومي يُفترض فيه الحياد والكفاءة”.
وتابع قائلاً: “التخربيق الإداري لا يُنتج إلا مزيداً من الاحتقان والفوضى، ولن نكون شهود زور عليه”.
لكنه لم يتوقف هناك، بل وجّه اتهاما أكثر خطورة حين قال: “الرئيس قام ببيع رخص لأشخاص معاقين، مبتوري الأطراف وكأننا في سوق وليس في إدارة تحترم القانون”.
وفي هذا الإطار، جاء رد الرئيس محمد الحمامي حاسما، وبلغة مباشرة قائلاً: “تحمّل مسؤوليتك فيما تقول، لأن الكلام كبير وخطير، وأنا مستعد للمساءلة، لكن على أسس واقعية وليس اتهامات تُرمى جزافا في جلسة عمومية”.
وتابع الرد على الاتهامات بنوع من الهدوء الممزوج بالتبرير، موضحا أن “المرحلة السابقة كانت مختلفة من حيث الإطار القانوني، وفعلاً سبق لي أن ساعدت حالات اجتماعية من بينها الدرويش، لكن اليوم الأمور تغيّرت، وأنا لا أقدم أي ترخيص خارج القانون”.
ونفى الحمامي أن تكون له مصالح شخصية أو عقارية، قائلاً: “أنا لا أجزّئ، ولا أملك مشاريع عقارية، ولا أربط أي مصلحة بقراراتي”.
وعن تغيير الموظفين، حاول الرئيس الدفاع عن قراراته قائلاً إنها جاءت بسبب “سلوك غير لائق” من بعض الموظفين تجاه المواطنين، مؤكداً أن “التغيير لم يكن بسبب الولاء السياسي، بل حفاظا على كرامة المرتفقين الذين لا يجب أن يعاملوا باحتقار أو صراخ أو ابتزاز كما وقع في بعض الحالات”.
وهكذا، تتحول دورات بني مكادة تدريجيا من فضاء للتداول والقرارات إلى حلبة مفتوحة لتصفية الحسابات، و”تبادل القصف السياسي” بين مكونات يُفترض أنها في تحالف واحد، لكن الواقع يُظهر أنها بالكاد تحتفظ بشعرة معاوية.
الأسئلة كثيرة، لكن الأهم: هل لا يزال في الإمكان إنقاذ ما تبقى؟ سؤال ربما سيكون عنوان دورة قادمة… إن اكتمل نصابها.







