اختار محمد الحميدي، رئيس المجلس الإقليمي لعمالة طنجة أصيلة وعضو جماعة طنجة، أن يلقي بورقة استقالته من رئاسة فريق الأصالة والمعاصرة داخل الجماعة، بعد أن سقط في “فخ” بيان لم يستشر فيه أحد، فوجد نفسه وحيداً وسط العاصفة، يجر ذيل خيبته السياسية قبل الانتخابات.
وجاءت الاستقالة كرد فعل متأخر على زلة لسان سياسية أو بالأحرى توقيع كشف حجم الفوضى داخل الفريق، عندما قرر الحميدي خوض مغامرة هجومية ضد مسؤول التواصل بالجماعة دون الرجوع إلى زملائه، ظنا منه أن الحزب ما زال يسير بمنطق “الرجل القوي” والقرارات الفردية ،لكن زمن التحكم الأحادي ولى، وباتت قرارات الحزب تمر عبر غربال القيادة المركزية التي لم يعد الحميدي يحظى بثقتها لا من قريب ولا من بعيد.
من جهة أخرى، لم يكن اختيار التوقيت عشوائيا، فالحميدي اختار الخروج من الباب الجانبي بينما العمدة منير ليموري يدخل من الباب الكبير، محملاً برضا قيادة “البام” وبتزكية تلوح في الأفق للانتخابات التشريعية المقبلة.
منير ليموري، الذي كان يوصف إلى وقت قريب بـ”هذاك لي ماكيعرفوا حتى واحد”، أصبح اليوم الرجل الحديدي للحزب بجهة الشمال، فيما يترك الحرس القديم يتدحرج خارج المشهد، الواحد تلو الآخر.
وتقول التسريبات إن الحميدي لم “يبلع” بعد فكرة أن يكون النائب الأول للعمدة، محمد الغزاوني غيلان، مرشحاً فوق تراب بني مكادة، حيث كان الحميدي يعتبر نفسه “الزعيم الأوحد” منذ عقود، لكن يبدو أن الحزب لم يعد يقبل بالاحتكار ولا بالنجومية القديمة التي لا تتناسب مع صورة سياسية جديدة تطبخ على نار هادئة في الرباط.
أما عن البيان، فكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر التنسيق الهش، إذ تحول من مجرد بلاغ إلى ورقة تشريح لما تبقى من نفوذ الحميدي، خصوصاً بعد أن افتضح تحالفه الخلفي مع بعض مستشاري حزب الأحرار داخل المجلس، في محاولة يائسة لجر البساط من تحت ليموري.
محاولات لم تكن تحتاج إلى جواسيس، بل إلى قليل من الذكاء، لأن البيان حمل بصمات انقلاب سياسي ركيك السيناريو والإخراج.
وفي هذا الصدد، تتأكد المعطيات أن الحميدي بات خارج اللعبة، ليس فقط بسبب أخطائه السياسية، بل أيضاً بفعل ماضيه الثقيل، إذ لا يزال معنيا بملف أمام محكمة جرائم الأموال ،وفي زمن تسويق “النخب النظيفة”، لم تعد مثل هذه الملفات تغتفر داخل حزب يراهن على تحسين صورته واستعادة ثقة الناخب.
خلاصة المشهد؟ الحميدي خرج، أو أُخرج، من المشهد، بهدوء من لم يعد له ما يفاوض عليه.
أما ليموري، فيصعد بثقة، مدعوما بآلة حزبية مركزية تتقن لعبة التموقع، وتعرف من يجب أن يبقى ومن يجب أن يُركن على رف الذكريات.
وفي انتظار أن يقرر الحميدي إن كان سيترشح بلون جديد أو يعود إلى الكواليس، فإن طنجة تستعد لانتخابات قد تكون بمثابة دفن نهائي لزمن “الزعامات الفردية” وولادة عهد جديد من البراغماتية الحزبية، حيث لا مكان لمن يخطئ التوقيع… أو التوقيت.







