تحولت طنجة، التي كانت يوماً ما تلقب بـ”عروس الشمال”،إلى مدينة مليونية بلا ملامح، تحاصرها العشوائية من كل الجهات، وتخنقها تجزئات إسمنتية خرجت من رحم الفوضى، وباركها منتخبون لا يجيدون سوى لغة الترخيص العشوائي، مقابل لا شيء، أو “شيء ما” يعرفه الجميع ويتجاهله القانون.
وفي هذا السياق العجيب، تزايدت خلال السنوات الأخيرة البؤر السكنية التي لا تشبه شيئاً سوى العشوائية في أوضح تجلياتها: لا طرق، لا ماء، لا كهرباء، لا صرف صحي، فقط إسمنت يزحف بجشع، وتراخيص تُمنح بـ”النية” و”المعرفة” و”المصلحة”.
أما القانون، فقد ترك على الهامش، في ركن مخفي من أرشيف المقاطعات والمجلس الجماعي.
ولم يكن غريباً أن تتحول هذه “المعجزة العمرانية” إلى أرض خصبة للإجرام والممنوعات، وحتى للتطرف، حيث من يتجول في بعض هذه الأحياء يشعر وكأنه في إحدى أحياء “الفافيلا” أو “مقديشو” أو “كابول”، حيث لا حضور إلا لمنطق القوة واللامراقبة.
رجال الأمن، وعلى محدودية إمكانياتهم، يجدون أنفسهم في حرب مفتوحة ضد واقع صُنع داخل مكاتب مكيفة، على يد مسؤولين بارعين في توزيع الخرائط على أساس “القرابة” و”المصالح”.
وفي هذا الإطار، يصعب على المتابع أن يميز بين المقاول والسياسي في طنجة، فالأدوار متداخلة حد الذوبان، ولا أحد يريد أن يسأل السؤال البديهي: من حول هذه المدينة إلى كارثة حضرية؟ الكل يعرف، والكل يصمت، لأن الكل “مُتورط بدرجة أو بأخرى”.
وللسلطة أيضاً دور لا يمكن إنكاره، إذ لا يمر شيء دون أن تراه أعين سلطة الوصاية، ما يجعل من السكوت على هذه الفوضى مشاركة غير معلنة في صناعتها.
أما سكان هذه الأحياء، فهم اليوم ضحايا سياسات انتخابوية قصيرة النظر، دفعوا ثمنها غالياً في غياب الخدمات والبنى التحتية، وتحولوا إلى مجرد أرقام في خريطة الفوضى.
عاصمة البوغاز، التي كان يُفترض أن تكون نموذجاً للتمدن والتطور، أصبحت مثالاً حياً على “كيف تُخرب مدينة في 20 سنة دون أن يرف لك جفن”.
وتبقى طنجة اليوم تحت رحمة أزمات متعددة: عمرانية، أمنية، اجتماعية، وسياسية.
وما لم يُفتح تحقيق جدي وشامل يربط المسؤولية بالمحاسبة، فسيستمر العرض الساخر في مدينة فقدت البوصلة، ويبدو أن من كانوا يخططون لها، لم يخططوا سوى للخراب.







