في زاوية من زوايا العبث الإداري، حيث تُدفن القوانين وتُزهر التجزئات السرية، يلمع نجم سياسي واحد، لا يعرف كيف وصل، ولا لماذا بقي، لكنه يعرف جيداً كيف يعشق الخراب ،وكيف يُقسم على الجلد قبل أي قرار.
إنه السياسي، المقاول، السائح، والعاشق الأبدي لكل ما هو عشوائي، المعروف في الأوساط الشعبية بلقب “مسيليمة الكذاب”، لا لأنه يكذب كثيراً، بل لأنه “صادق بزيادة”، إلى درجة لا يصدقه حتى من صدّق الحكايات القديمة.
ويحمل أيضاً لقباً آخر استحقه عن جدارة: “ابن بطوطة”. لا يستقر في مكان، لا في وعد، لا في موقف، ولا حتى في خرائط التهيئة.
يتنقل من مشروع وهمي إلى مشروع سرّي، من تجزئة مشبوهة إلى أخرى تحت الطاولة، تاركاً خلفه بصمة إسمنتية في كل ركن ،وأحياناً في وسط الطريق.
يعشق الجلد عشقاً روحانياً ،حيث كلما جلس على كرسي من البلاستيك، أصابه الاكتئاب.
يقال إنه يطالب دوماً بتعويضات عن “الأذى النفسي الناتج عن غياب الجلد” ،وحوّل مكتبه إلى صالون جلدي، لأنه يعتقد أن الزعامة تبدأ من ملمس الكرسي، لا من خدمة الناس وتجده أول الحاضرين في أي صفقة فيها الجلد من النوع الذي “يطلق رائحة السلطة”.
المواطنون سئموا الإصغاء، وبعضهم يضع سماعات الأذن كلما اقترب منه، خشية وعد جديد بلا مقابل.
أما المرض الذي ينهش عقله السياسي، فهو “الانقلاب التلقائي على الجميع”. انقلب على حزبه، على وعوده، على الناخبين، ثم قرر في نوبة صفاء أن ينقلب على نفسه وقالها صراحة: “أنا لم أعد أتحملني!”
وجوده في الساحة السياسية كان مجرد حادث عرضي. قيل له: “بما أن لا أحد موجود، اجلس أنت”.
جلس، واستراح ومن يومها وهو يحكم الصمت، ويصرخ بالوعود.
السياسي مسيليمة الكذاب أو ابن بطوطة الجديد لا يؤمن بالتخطيط، بل بالتطويح.
لا يقرأ الميزانيات، بل الخرائط العقارية، وتبدأ النهضة عنده من كومة تراب وتنتهي بفيلا على الواد.
مشروعه التنموي؟ تجزئة في غابة ورؤيته المستقبلية؟ مرآب عشوائي فوق المصلحة الجماعية.
وفي النهاية، يبقى مسيليمة الكذاب، نموذجاً صريحاً لزمن تتكلم فيه الخرائط أكثر من الضمائر ويسود فيه السياسي الذي لا يعرف الطريق، لكنه يملك الجرأة ليقود الجميع نحو التيه.







