وسط مدينة طنجة، حيث العقار يباع بالمتر وتدفع قيمته بالكيلو، عادت ظاهرة “النوار” لتُطل برأسها القبيح، مهددة بنسف كل ما تبقى من ثقة المواطنين في برامج دعم السكن.
المواطن، بعد أن يحلم بسكن مدعم من طرف الدولة، يستيقظ على واقع يفرض عليه دفع “واجبات” غير مدعومة، لكن مدفوعة وبالملايين الثقيلة.
وفي ذات السياق، أصبحت عبارة “راه هادشي ماشي فالعقد” لازمة يتداولها بعض المنعشين العقاريين، وكأنها جزء من طقوس البيع ،حيث الرقم المطبوع في العقد شيء، والمبلغ الحقيقي شيء آخر ومَن لا يدفع “من تحت”، قد لا يرى “سقف فوق”.
و يبدو أن بعض الوسطاء العقاريين قد تحولوا إلى خبراء في التمويل الموازي، يفرضون على المواطن، دون خجل، أداء مبلغ إضافي لا يدخل ضمن أي حساب رسمي، لكن يدخل جيوبا خاصة بكل سلاسة و”مرونة ضريبية” غير مسبوقة.
وفي هذا الإطار، يطرح المواطنون سؤالاً وجوديا: هل نحن أمام دعم حكومي للسكن، أم أمام دعم شعبي للمنعشين؟ كيف يُعقل أن يتلقى المواطن دعما من الدولة ليسلمه، طواعية أو قسرا، إلى جيوب لا علاقة لها بمؤسسات الدولة ولا بقيم العدالة الاجتماعية؟
وعلى صعيد آخر، تطالب فعاليات المجتمع المدني بتدخل عاجل، ليس فقط لوضع حد لهذه المهزلة العقارية، بل لمساءلة من حولوا الدعم إلى مصدر للضغط، والكرامة إلى بند قابل للتفاوض.
فطنجة، التي تسير بخطى سريعة نحو التحول إلى قطب عمراني كبير، لا تستحق أن تُختزل في “بونات” سرية ومفاتيح لا تُسلم إلا بعد الدفع الثاني وربما الثالث.
وتجدر الإشارة إلى أن استمرار هذا “الابتكار المالي غير المصرّح به” سيفقد برامج الدعم معناها، ويُرسخ ثقافة “التحايل الحلال”، ما يستدعي من الحكومة أن تخرج من حيادها المريح وتنتقل من “دعم الورق” إلى حماية المواطن في أرض الواقع ،وتسريع رقمنة مساطر اقتناء السكن، وربطها بمنصات شفافة تُمكن المواطن من تتبع مراحل حصوله على الدعم دون وساطة أو تدخلات مشبوهة، للحد من التلاعبات التي تُرافق عمليات البيع والشراء.
واذا استمر هذا الوضع دون رادع سيُفضي حتماً إلى نتائج عكسية، قد تفرمل الطفرة العمرانية التي تعرفها عاصمة البوغاز، وتحول دون تحقيق أهداف التنمية المجالية التي تراهن عليها الدولة لتقليص التفاوتات وتعزيز العدالة الترابية.







