في ظلّ العزلة السياسية التي يعيشها النظام الجزائري على الساحة الدولية، خاصة بعد تراجع دوره الإقليمي وتصاعد الانتقادات الدولية تجاه سياسته الداخلية والخارجية،وتورطه في دعم الجماعات الإرهابية بمنطقة الساحل، يبدو أن الجزائر تحاول إعادة ترتيب أوراقها عبر التقرب من الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، الذي تولى مهامه خلفًا للرئيس الفار إلى روسيا ، بشار الأسد، هذه الخطوة تأتي بعد سنوات من الدعم السري والعلني الذي قدمته الجزائر لنظام الأسد خلال الحرب الأهلية السورية، والتي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الدولية.
الجزائر ونظام الأسد: تاريخ من الدعم:
منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، وقفت الجزائر إلى جانب نظام بشار الأسد، معتبرة أن استقرار سوريا يمر عبر بقاء النظام القائم،وقدمت دعما ماليا سخياً لنظام بشار لقصف شعبه بالبراميل المتفجرة، وقد بررت الجزائر موقفها بالدفاع عن “سيادة الدولة” ورفضها “التدخل الأجنبي”، وهو الخطاب الذي يتوافق مع سياستها الخارجية التقليدية المنبثقة من الأفكار الشيوعية السوفياتية، التي لم تسقط، رغم سقوط النظام الستاليني في تسعينيات القرن الماضي، والتي تعطي أولوية لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أو دعمها بالمال والسلاح في مواجهتهم للغرب .
ومع ذلك، فإن هذا الموقف لم يكن بدون تكلفة، فقد أدى دعم الجزائر لنظام الأسد إلى توتير علاقاتها مع بعض الدول العربية والغربية، خاصة تلك التي دعمت المعارضة السورية. كما أن هذا الموقف جعل الجزائر في موقف دفاعي في المحافل الدولية، حيث تعرضت لانتقادات بسبب ما وصفه البعض بـ”التواطؤ” مع نظام متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
التقرب من الرئيس الجديد: محاولة لإعادة التوازن:
مع تولي أحمد الشرع مهامه كرئيس جديد لسوريا، تسعى الجزائر إلى تعزيز علاقاتها والتقرب من النظام الجديد بدمشق، حيث أرسل النظام العسكري الجزائري ، اليوم السبت، وزير الخارجية، أحمد عطاف، في زيارة رسمية بصفته مبعوثا خاصا لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون. الذي حمله رسالة خطية إلى الرئيس السوري.
واعتبر محللين سياسيين هاته الخطوة كجزء من استراتيجية ينتهجها بلطجية قصر المرادية لإعادة تأكيد وجودهم الإقليمي. ففي ظلّ التحديات الداخلية التي تواجهها الجزائر، بما في ذلك الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح، يبدو أن النظام الجزائري يحاول البحث عن حلفاء جدد أو تعزيز العلاقات مع الحلفاء القدامى، لتغطية الفشل الذريع داخليا.
وقد بدأت هذه الجهود تظهر من خلال الزيارات الدبلوماسية والتصريحات الإعلامية التي تحاول إظهار “عمق العلاقات التاريخية” بين البلدين. كما أن الجزائر قد تكون مهتمة بفتح قنوات جديدة للتعاون الاقتصادي مع سوريا، خاصة في مجالات إعادة الإعمار والطاقة، في محاولة لتعويض بعض الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها بسبب العزلة الدولية.
التحديات والمخاطر:
رغم هذه الجهود، فإن التقرب من النظام السوري الجديد يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فسوريا لا تزال دولة منقسمة ومثقلة بآثار الحرب، والعلاقات معها قد تعرض الجزائر لمزيد من الانتقادات الدولية، خاصة من قبل الدول التي لا تزال تعتبر نظام دمشق غير شرعي. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي تعاون اقتصادي مع سوريا قد يواجه عقبات بسبب العقوبات الدولية المفروضة على النظام السوري.
من جهة أخرى، يرى بعض المحللين أن هذه الخطوة تمثل محاولة يائسة من النظام الجزائري لتعزيز شرعيته الخارجية التي تبدو هشة بالأصل، وذلك في ظل تراجع واضح على الصعيدين الداخلي والخارجي. تأتي هذه التحركات في مرحلة تشهد تحولات جيوستراتيجية كبرى، حيث تتوجه العديد من الدول العربية نحو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أو تعميق تحالفاتها مع القوى الغربية، بينما تبدو الجزائر وكأنها تتلمس شراكات في مساحات محدودة، قد لا تحقق من خلالها مكاسب استراتيجية تذكر.
وفي نفس السياق، يبدو التقارب مع الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، جزءًا من استراتيجية جزائرية أوسع تسعى إلى إعادة ترتيب أوراقها في ظل العزلة السياسية التي تعاني منها. ومع ذلك، تظل هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، حيث تشير المؤشرات إلى أن الجزائر ما زالت تخطو على طريق الفشل، دون تحقيق أي اختراقات حقيقية على الصعيد الإقليمي أو الدولي. بل على العكس، قد تؤدي هذه المحاولات إلى تفاقم أزماتها المتعددة، مما ينذر بفترة عصيبة قد تشبه “العشرية السوداء” التي عانت منها البلاد سابقا، وبالتالي، يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح هذه الخطوات الديبلوماسية في تحسين صورة جمهورية الفسيفساء، أم أنها مجرد حلقة أخرى في سلسلة الإخفاقات التي تعمق من أزماتها وتزيد من تدهور أوضاعها؟







