صدر حديثا للباحث في اقتصاد التنمية، عبد العالي بنشقرون، مؤلفا بالفرنسية بعنوان ”تأملات مفتوحة حول التنمية السيادية في المغرب“، « Réflexions ouvertes pour un développement souverain au Maroc »

والذي يعالج فيه أطروحات لما يصفه بالتنمية السيادية، والتي تعني، من بين أمور أخرى، نموذج تنموي ذي طبيعة سيادية وطنية أكبر في جميع المجالات – الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – في سياق عالمي متغير وغير متوقع. وقد أكدت أحداث الجائحة بشكل واضح الضرورة الحيوية للتنمية السيادية التي تفترض إرساء دعائم دولة اجتماعية تنموية.
يحتوي الكتاب على خمسة فصول مخصصة لتأسيس دولة التنمية الاجتماعية، والسيادة في مجال الطاقة والصناعة، والاقتصاد التضامني الاجتماعي، والرؤية البرنامجية التي يستحب أن يهتم بها الفاعلون في سبيل التغيير، والذين يمكن أن ينطلقوا من النقاش حول السيادة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية والثقافية.
ويناقش المؤلف في الفصل الأول المشاكل والتحديات أمام إقامة الدولة الاجتماعية في المغرب، والتي بالضروري يلزم أن تكون دولة اجتماعية تنموية.
وبالنظر إلى السياق الاجتماعي والاقتصادي المغربي والسياق العالمي، فإن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم دون بعد التنمية السيادية، أي دولة قوية تتدخل في الاقتصاد وتوجهاته العامة من خلال قطاع عام قوي ومبتكر وفعال. دولة تضمن الأمن الاقتصادي والأمن الطاقي والغذائي، وكذلك الأمن التكنولوجي والثقافي، كل ذلك بهدف بناء مجتمع واقتصاد قائم على المعرفة.
وتزداد الحاجة التاريخية إلى دولة تنموية اجتماعية أكثر إلحاحًا، بالنظر إلى انتشار العقلية والأوضاع الريعية، وضعف ثقافة ريادة الأعمال، كوارث ”الحوكمة“ التي يلزم الانكباب عليها لأنها تلحق أضرارا كبيرة بالاقتصاد والمجتمع. وقد كانت أزمتا الجائحة وزلزال الحوز تذكيرًا ملحا وقويا بهذه الحاجة الماسة إلى دولة التنمية الاجتماعية، لا سيما في ظل الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تزداد تعمقا وأيضا التضخم والبطالة والهجرة القروية.
ويركز الكتاب على دور الدولة والسياسات العمومية، لا سيما أثناء الأزمات، لأن الجائحة من المرجح أن تصبح ظاهرة متكررة، مما يتطلب من الدولة أن تراقبها عن كثب وتتدخل لضمان أمن الناس. ولا يمكن أن يتم ذلك بكفاءة وفعالية إلا من خلال بناء دولة التنمية الاجتماعية التي تضمن سلامة السكان ومناعة المجتمع واستدامته.
لذا، يولي المؤلف أهمية كبرى لخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة التي تكرس دورًا متجددًا ومرنًا للدولة في الاقتصاد والمجتمع. خطة تحمي القطاع العام وتطوره، وتضع سياسة عمومية سيادية، لتجنب توصيات وتوجهات الهيئات المالية العالمية التي تلقي بثقلها وضغطها على حاضر ومستقبل البلاد وتوازناتها. وينبغي أن تلعب استراتيجيات التحالفات العقلانية والمدروسة بعناية وتنوعها دوراً حيوياً في الحفاظ على هذه التوازنات التي تعتبر ضرورية لإقامة وتصليب الدولة الاجتماعية التنموية.
وبحسب المؤلف، فإن الدولة الاجتماعية ستضمن عودة المدارس العمومية وتأهيلها، وإصلاح الصحة العمومية، وإطلاق فعلي للحماية الاجتماعية، وإرساء سياسة ضريبية مختلفة وأكثر عدلا لتمويل هذه المشاريع الاستراتيجية.
ويتناول الكتاب قضية حيوية تتعلق بامتلاك ”التكنولوجيا“، وذلك من خلال تقديم دراسة موجزة للتطورات في صناعات الطيران والسيارات وأيضا أشباه الموصلات، معتبراً أن التحدي الحالي يكمن في بناء الاقتصاد وتطوير قطاعات وآفاق مجتمع المعرفة.
لذلك يحتاج المغرب إلى تعزيز قوته التفاوضية مع الأغيار من قوى عالمية وتكتلات دولية، لضمان أفضل معادلات تنقيل التكنولوجيا للصناعة الوطنية، وفي الوقت نفسه وضع استراتيجية للاستفادة من الكفاءات والعلماء المغاربة المغتربين الكثر، من أجل ضمان مساهمتهم المثلى في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، واستثمارهم المعنوي والمادي وانخراطهم في جهود التنمية البديلة والنهضة السيادية للبلاد.
ويؤكد المؤلف على حقيقة واضحة وهي أن البلاد لا يمكن أن تستغني عن ثقافة الديمقراطية والحرية، لضمان بروز مؤسسات تمثيلية جديرة بدولة اجتماعية تنموية ، وهو عامل أساسي في النهضة الوطنية الشاملة.
ويلقي المؤلف نظرة فاحصة على المشاركة المقبلة للمغرب في تنظيم ”مونديال 2030“، و الذي يرى فيه فرصة تاريخية ينبغي استغلالها إلى أقصى حد من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية والصناعية في البلاد. والهدف من ذلك هو تسريع عملية التنمية الاقتصادية والصناعية والاجتماعية والثقافية من الآن وحتى عام 2030، وتحويل البلاد إلى ورش عملاق للتغيير المبتكر والمنتج. إذ إلى جانب البنى التحتية و الملاعب الرياضية، يمكن للمغرب أن يستثمر و يشجع الابتكار في جميع المجالات، من خلال تشجيع الاختراعات والأبحاث في المجالين الرياضي والصناعي، وذلك بإشراك الجامعات ومدارس الهندسة والمستثمرين الوطنيين والدوليين.
إن فترة الست سنوات التي تفصلنا عن سنة 2030 يجب أن تمكننا من تسويق صورة مشرقة وناجحة على الصعيد الدولي لمغرب في خضم التغيير الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي نحو المستقبل والاستفادة الكاملة من قدراته الطبيعية والبشرية.







